توقعات سعر الذهب 2026-2027: ماذا تقول البنوك الكبرى؟

دخل الذهب عام 2026 في خضم واحدة من أقوى موجاته الصاعدة منذ عقود. بعد ارتفاع بلغ نحو 65% خلال 2025، أفضل أداء سنوي منذ عام 1979، سجّل المعدن رقمًا قياسيًا جديدًا فوق 5,500 دولار للأونصة في يناير 2026. ما تلا ذلك فاجأ كثيرين: تراجعت الأسعار بحدة في مارس، وهبطت أكثر من 10% في شهر واحد، أكبر انخفاض شهري منذ يونيو 2013. ومع ذلك، أبقت أكبر المؤسسات المالية في العالم على توقعاتها الصاعدة، بل رفعتها في حالات كثيرة.
يستعرض هذا المقال التوقعات الحالية لسعر الذهب من كبرى البنوك، والقوى الهيكلية التي تدعم هذه التوقعات، والمخاطر التي يمكن أن تغير المشهد.
أين يقف سعر الذهب الآن؟
في منتصف عام 2026، يتداول الذهب قرب 4,500-4,960 دولارًا للأونصة، أقل بكثير من ذروته في يناير لكنه لا يزال عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. كان التراجع في مارس حادًا، والسؤال الذي يجيب عنه كل محلل الآن هو: هل كان ذلك انعكاسًا للاتجاه أم تصحيحًا ضمن سوق صاعدة قائمة؟
التوافق الساحق بين كبرى البنوك هو الأخير: مجرد تصحيح.
ماذا تتوقع البنوك الكبرى؟
يتسم نطاق التوقعات المؤسسية لبقية عام 2026 وحتى 2027 باتساع ملحوظ، يعكس حالة عدم اليقين الحقيقية حول السياسة النقدية والجيوسياسة، لكن الاتجاه واحد: الأعلى.
جي بي مورغان نشر أكثر التوقعات جرأة، إذ يرى أن الذهب سيبلغ 6,000-6,300 دولار للأونصة بنهاية الربع الرابع من 2026، مع احتمال الوصول إلى 6,300 دولار بنهاية 2027. يصف فريق المحللين لديه هذا بـ"أطروحة الطلب الهيكلي" المدعومة بتراكم مستدام من البنوك المركزية بوتيرة 755-800 طن سنويًا، وتدفقات صناديق الاستثمار المتداولة (ETF)، والاتجاه الأوسع نحو التخلي عن الدولار. يشير بنك جي بي مورغان أيضًا إلى واردات الذهب الصينية المرتفعة بشكل حاد، إذ بلغت 317 طنًا في الربع الأول من 2026، بما يعادل ثلاثة أضعاف الربع السابق تقريبًا.
غولدمان ساكس رفع هدفه لنهاية عام 2026 إلى 5,400 دولار للأونصة في يناير، وأبقى على هذا الهدف دون تغيير رغم تراجع مارس، وهو موقف يعكس قناعة راسخة. يستند المحللان دان ستروفن ولينا توماس إلى ثلاثة ركائز: نحو 60 طنًا شهريًا من مشتريات البنوك المركزية، وعودة تدفقات صناديق ETF بعد مستويات قياسية في 2025، وما يسميه البنك "تجارة انخفاض القيمة"، أي الطلب الاستثماري على الذهب كتحوط من ضعف الدولار ومخاوف الديون السيادية. في يونيو 2026، حذف غولدمان توقعاته لخفض الفائدة خلال 2026 من نماذجه لكنه أبقى على هدف 5,400 دولار، مما يعني صراحةً أن طرحه الصاعد يرتكز على الطلب الهيكلي لا على سياسة الفائدة.
ويلز فارغو يوازي جي بي مورغان عند الطرف الأعلى، بتوقع نطاق 6,100-6,300 دولار للأونصة بنهاية 2026.
يو بي إس يتوقع نحو 5,500 دولار للأونصة بأواخر 2026، مع احتمال صعود نحو 5,900 دولار إن تسارعت تدفقات صناديق ETF.
مورغان ستانلي هو الأكثر تحفظًا بين البنوك الكبرى، بسيناريو أساسي قرب 4,800 دولار للأونصة في الربع الرابع من 2026، مستشهدًا بارتفاع العوائد الحقيقية وتأخر خفض الفائدة.
بي إن بي باريبا يتوقع متوسطًا بـ5,620 دولار في 2026، وبلوغ ذروة الدورة عند 6,250 دولار.
سيتي وكومرزبنك يحملان هدفًا قرب 5,000 دولار لنهاية العام، وهو ما يمثل صعودًا قويًا من المستويات الحالية لكن قراءة أكثر حذرًا للبيئة الاقتصادية الكلية.
استطلاع رأي أجرته وكالة رويترز على 31 محللًا أسفر عن توقع وسيط بنحو 4,916 دولار للأونصة في 2026، مما يشير إلى أن المجتمع الأوسع من المحللين، رغم تفاؤله، أقل عدوانية من كبرى بنوك الاستثمار.
لعام 2027: استهدافات تتراوح بين 5,000 و8,000 دولار
بالنظر إلى الأمام، يتسع النطاق بشكل لافت. يتركز التوافق المؤسسي الرئيسي لعام 2027 بين 5,000 و5,600 دولار للأونصة. جي بي مورغان ويو بي إس يستهدفان 5,400 دولار بنهاية 2027. غولدمان ساكس يتوقع 5,400-5,600 دولار. ويستباك أكثر تحفظًا عند 5,000 دولار. بنك أوف أمريكا وضع سيناريو طلب متطرف يصل إلى 8,000 دولار بحلول 2027، مستشهدًا بعدم اليقين حول قيادة الاحتياطي الفيدرالي والعجز المالي الهيكلي، رغم أنه ليس سيناريوه الأساسي.
خمسة محركات هيكلية وراء التوقعات
فهم سبب تفاؤل هذه المؤسسات يستلزم فهم القوى التي تعتبرها مختلفة هيكليًا في هذه الدورة مقارنة بالدورات السابقة.
1. مشتريات البنوك المركزية بوتيرة قياسية: لثلاث سنوات متتالية تشتري البنوك المركزية الذهب بوتيرة تعادل ضعف متوسط ما قبل عام 2022 تقريبًا. يتوقع جي بي مورغان نحو 755 طنًا من المشتريات السنوية للبنوك المركزية في 2026. والجدير بالذكر أن جزءًا كبيرًا من هذه المشتريات لا يُبلَّغ عنه لصندوق النقد الدولي، ما يعني أن البيانات الرسمية تقلل على الأرجح من حجم الطلب الحقيقي. يُقدِّر المجلس الذهبي العالمي أن مشتريات البنوك المركزية الفعلية في الربع الأول من 2026، بما في ذلك التدفقات غير المُبلَّغ عنها، بلغت 244 طنًا، مقارنة بـ208 أطنان في الربع الرابع من 2025.
2. التخلي عن الدولار كاتجاه هيكلي: أرسل تجميد أصول البنك المركزي الروسي في أعقاب غزو أوكرانيا عام 2022 رسالة واضحة لمديري الاحتياطيات في العالم: الأصول المقوَّمة بالدولار المحتفظ بها خارج الولايات المتحدة تنطوي على مخاطر سياسية. دول مثل الصين والهند وبولندا وتركيا باتت ترفع احتياطياتها من الذهب بشكل منهجي كجزء من استراتيجية بعيدة المدى لتقليص الاعتماد على الدولار. الصين وحدها استوردت 317 طنًا في الربع الأول من 2026، وضاعف بنك الشعب الصيني مشترياته المُعلنة من نحو طن شهريًا إلى ثمانية أطنان في أبريل 2026.
3. أسعار الفائدة الحقيقية وتكلفة الفرصة البديلة: أقوى فترات الذهب تاريخيًا تتزامن مع أسعار فائدة حقيقية منخفضة أو سلبية. ورغم أن مسار الفائدة الأمريكية بات أقل وضوحًا في 2026، تتوقع معظم البنوك الكبرى أن الاتجاه العام للفائدة سيكون نحو الانخفاض على المدى الطويل، مما يدعم جاذبية الذهب النسبية مقابل السندات والنقد.
4. تدفقات قياسية لصناديق ETF ومستثمرون من القطاع الخاص: استقطبت صناديق الذهب المتداولة في البورصة نحو 89 مليار دولار من التدفقات في 2025، وهو رقم قياسي. يتوقع جي بي مورغان 250 طنًا من تدفقات صناديق ETF في 2026 إلى جانب طلب على السبائك والعملات يتجاوز 1,200 طن. وثمة وافد جديد لافت: أضافت شركة العملات المستقرة تيثر أكثر من 100 طن إلى احتياطياتها من الذهب، أكثر من أي بنك مركزي منفرد في فترة مماثلة.
5. محدودية إمدادات المناجم: لا تنمو إنتاجية مناجم الذهب سوى بنحو 1-2% سنويًا. لا توجد حوافز سعرية تستطيع فتح مناجم جديدة بسرعة؛ المهل الزمنية تُقاس بالسنوات أو العقود. هذا يعني أن أي ارتفاع في الطلب يُترجَم مباشرة في السعر مع تخفيف محدود من جانب العرض على المدى القريب.

إطار سيناريوهات المجلس الذهبي العالمي
نادرًا ما ينشر المجلس الذهبي العالمي توقعات محددة، ويفضّل تحليل السيناريوهات. يصف تقرير توقعاته لعام 2026 ثلاثة سيناريوهات:
تباطؤ اقتصادي معتدل مع خفض الفائدة: ارتفاع بين 5 و15%
ركود عالمي وصدمات جيوسياسية: ارتفاع بين 15 و30%
نمو قوي مع ارتفاع الفائدة: ضغط معتدل على الذهب
السيناريوهان الأولان، اللذان يعدّهما المجلس أكثر احتمالًا من الثالث في ظل الظروف الراهنة، يعنيان استمرار دعم أسعار الذهب.
ما الذي يمكن أن يكسر الحالة الصاعدة؟
يصرّح المحللون بوضوح أن الطريق إلى أسعار أعلى ليس مضمونًا، وثمة تطورات عديدة يمكن أن تُجهض الارتفاع:
احتياطي فيدرالي يرفع الفائدة بشكل غير متوقع بدلًا من الإبقاء عليها أو خفضها
حل للنزاعات الجيوسياسية الكبرى يُزيل علاوة المخاطر
تعزيز ملحوظ للدولار الأمريكي مدفوع بتفوق نسبي في النمو
تدفقات خارجة مستدامة من صناديق ETF الذهبية مع عودة الشهية للمخاطرة نحو الأسهم
يُصوِّر غولدمان ساكس سيناريوه التنازلي بوصفه واحدًا يستلزم تحقق عوامل سلبية متعددة في آنٍ معًا، وهو ما يراه محتملًا لكن غير مرجح.
ما معنى هذا للمستثمر الفردي؟
من المهم التعامل مع أي توقع مؤسسي بالحذر اللازم. لا يُمثّل هدف سعري لأي بنك ضمانة، والنطاق من 4,800 إلى 6,300 دولار بنهاية 2026 يعكس عدم يقين حقيقيًا حتى بين أكثر المشاركين في السوق تطورًا. كما تتغير التوقعات: البنوك نفسها التي حملت أهدافًا عند 4,250 دولارًا في ديسمبر 2025 رفعتها إلى 5,400-6,300 دولار، تعديل جوهري في ستة أشهر.
لمن يفكر في الذهب كجزء من استراتيجية طويلة الأجل، تبرز عدة نقاط من التحليل المؤسسي:
المحركات الهيكلية للطلب، بما في ذلك مشتريات البنوك المركزية وتراجع الاعتماد على الدولار، تُقاس بالسنوات لا بالأرباع
يبقى التخصيص الفردي للذهب عند مستويات منخفضة تاريخيًا، مما يوحي بمساحة كبيرة لنمو الطلب إذا استمر التحول في المشاعر
يوفر جانب العرض مرونة محدودة، ما يجعل الطلب المتغير المهيمن على السعر في هذه الدورة
أثبتت فترات التصحيح الحاد، كتراجع مارس 2026 بأكثر من 10%، تاريخيًا أنها تُعقب باستئناف الاتجاه الأساسي، رغم أن الأنماط الماضية لا تضمن المستقبل
الأسئلة الشائعة
لماذا تتباين توقعات البنوك للذهب إلى هذا الحد؟
تعتمد البنوك افتراضات مختلفة حول مسار الاحتياطي الفيدرالي، ووتيرة مشتريات البنوك المركزية، وسرعة حل المخاطر الجيوسياسية. النطاق الواسع من 4,800 إلى 6,300 دولار بنهاية 2026 يعكس عدم يقين حقيقيًا لا خطأ تحليليًا.
هل تراجع الأسعار عن ذروة يناير فرصة شراء؟
تصف معظم البنوك الكبرى تراجع مارس 2026 بأنه "حدث سيولة" لا انعكاس للاتجاه، وتُشير أكثر من واحدة منها صراحةً إلى أن نطاق 4,200-4,300 دولار قد يمثل نقطة دخول محتملة. غير أن أي قرار استثماري ينبغي أن يراعي الظروف الفردية والأفق الزمني والقدرة على تحمل التقلبات.
ما الذي يستلزم بلوغ الذهب 8,000 دولار؟
يستلزم السيناريو المتطرف لبنك أوف أمريكا بلوغ 8,000 دولار بحلول 2027 تضافر عدم اليقين حول الاحتياطي الفيدرالي، وتسارع التخلي عن الدولار، وعجز مالي أمريكي هيكلي واسع، وتوسع ملحوظ في تخصيصات المستثمرين الأفراد للذهب من مستوياتها المنخفضة تاريخيًا الحالية.
كلمة أخيرة
الصورة المؤسسية للذهب في 2026-2027 تتسم بتفاؤل واسع النطاق وإن لم يكن بالإجماع. المحركات الرئيسية، مشتريات البنوك المركزية، والتخلي عن الدولار، والتخصيصات الفردية المنخفضة تاريخيًا، وتقييد إمدادات المناجم، هيكلية بطبيعتها لا دورية، وهو ما يفسر تمسك معظم البنوك بأهدافها رغم تقلبات 2026 بدلًا من التخلي عنها. مخاطر الهبوط حقيقية، لا سيما في ما يخص سياسة الاحتياطي الفيدرالي وحل النزاعات الجيوسياسية، لكن الرأي السائد يرى أنها تحتاج إلى أن تتحقق معًا لتعكس الاتجاه جوهريًا. هل سيبلغ الذهب 5,400 أم 6,300 دولار بنهاية ديسمبر 2026؟ هذا ما سيكشفه الوقت، لكن الاتجاه الذي تشير إليه كبرى المؤسسات المالية لا يزال صعودًا بوضوح.
ملاحظة: جميع الأرقام والتوقعات الواردة في هذا المقال مستقاة من تقارير مؤسسية متاحة للعموم ووسائل إعلام مالية كما في يوليو 2026. التوقعات قابلة للمراجعة ولا تُمثّل نصيحة استثمارية.